Friday, October 1, 2010

شيكولاته

شيكولاته *
---------
أغلى ما في دكان عم سعيد بائع الارواح لا يتعدى ثمنه الخمسة قروش ، لذا كانت مفاجأة أطفال القرية عظيمة عندما أعلن أنه أتى بقالب شيكولاته مبرشم من مصر.

إعتادوا أن ينادونه أحمد فطوم نسبة لأمه .. لم يره أحد يصلى مع والده في المسجد الصغير .. ولمّا علموا أن ذلك يضايقه ، إلتفوا حوله ينابذونه بما يكره .. أراد المقاومة لكنه شأن الجميع قليل الحيلة .. ولمّا سقط أرضاً صرخ فيهم بوجه لطخه التراب والذل والدموع ، أبويا مات وكان اسمه صابر.

قرأ عليهم الشيخ رضوان " أنْ جاءُه الأعمى " و لمّا غابت ضحكته الخافتة .. سأل .. وتعجب حين قالوا أنه يعمل لدى المقدِّس مُحب العلاف لمده اسبوعين نظير ثمن قالب الشيكولاته.

تسرب الخبر .. و بدأ الأطفال يراقبونه  وهو يعمل ، يومان و أصبح حديث القرية كلها .. زاد الترقب .. مرَّ به رضا زميل الكتّاب و حيَّاه ، سلامو عليكم يا أحمد يا صابر.


تجمّع الأطفال شرق الساقية القديمة.. توسطهم أحمد صابر في جلباب نظيف وقدم حافيه .. ارتعشت يداه قبل أن يتلوّن بابتسامة قلقة .. تابعتهم عيناه يشاركهم مضغ ما اعطاه لهم .. لسعت الشمس خده فأمال وجهه ناحية الظل .. رفع أول المنصرفين يده في ثبات ، متشكرّين يا أحمد يابو الواجب .. قبل أن يجاوبه طفل صغير ، أحمد فطوم طول عمره راجل .

تمت

*لأن أجمل ما يبقى هو الألم
-----
إسلام المصري
الإسكندرية
سبتمبر 2010  

Wednesday, August 4, 2010

نبض التـاكـسي


- إنت باين عليك زملكاوي.
- يا عم والله ما بقت تفرق ، أنا بقول نحلْ الأندية دي كلها ونشجع كلنا الأهلي مدام محدش غيره بيكسب.
لمعت عيناه في مرآة السيارة بخبث قبل أن يكمل
- و هي في أندية ف مصر غير الأهلي ؟ ، كل الفرق بتاكل فتافيت العيش اللي بيرميها الأهلي ، جتكوا خيبة ع الحضري اللي دفعتوا فيه دم قلبكم .
إلتفتُ لشربيني الجالس بجواري أكمل له ما حدث في وقفة أمس أمام محكمة الإسكندرية في أولى جلسات محاكمة المتهمين بقتل شهيد الطوارئ
بس ، وأول ما الكوردون بقى من أربع صفوف لقيتلك فرقة من (الكروش) اللي أصبحت بني آدمين بفعل عوامل مجهولة ، و هاتك يا زق و تشليط فينا .. الواحد فيهم ايده أربع سلندر يا جدع.
نظرة أخرى ف المرآة لكنها تلك المرة تحمل بعض الإستفهام
- مش ده الواد خالد بتاع سيدي جابر ؟
- آه اللي قتلوه المخبرين.
- واتحكم عليهم بإيه؟
- لسّه ، القضية اتأجلت للشهر اللي بعد الجاي ، وهيفضلوا محبوسين لحد معاد القضية .. وان شاء الله المحامي ينجح انه يغير تهمتهم من ضرب افضى إلى موت لقتل عمد .
- عارف يا استاذ ، أي مخبر من دول لو دخل السجن انشالله شهر واحد ، هيخرج منه ميسواش 3 أبيض.
- آه طبعاً ، بس ان شاء الله ينطسوا اعدام .
- مش قصدي ، بس كل واحد من دول ليه اللي مستنينه جوا السجن ، و ألف من له تار ، ده هيت...ك لما يقول يا بس .
- يا رب يا مسهل ، البلد دي قرفت خلاص ولازم حالها ينصلح بقى.
- عارف لو يفتحوا باب السفر لبرّه والله ما هتلاقي نفر في البلد دي ، الناس كفرت.
- الحل جاي بس من غير ما حد يطلع بره ، يقعدوا هنا ويقولوا لأ للظلم والفساد .. البلد لازمها ثورة .
أطرأت برأسي في يأس .
- البلد دي عايزه واد يكون راضع من بزْ أُمه صحيح ، عارف لو راضع من بزْ أُمه والله في سنتين يصبح حالها غير، بس نعمل ايه ماحنا اللي ماسكنا ابن ل..وة لقيط .
بصراحة خفت أكلمه عن البرادعي ولا حمدين قلت اسيبه يفك عن نفسه الراجل ما صدق انفتح .
- أنت عارف أن عُمر افندي ده كان بيبع انضف قطن ف مصر ، دلوقتي بقى ايه .. حتة واد سعودي اشتراه وبيبيعوه أرضية.
- ما هو ده الفساد يا حاج اللي بكلمك عليه .. بلد حاكماها الفوضى والعمولات والسمسرة.
- والله قناة السويس دي يا استاذ لو يتوزع خيرها صح هتدخل لكل نفر بتاع تمانيه دولار كل يوم ، ده في ناس بتموّت بعضها عشان عشرين جنيه.
- معلش ، أهو في تغيير وطول ماحنا بنتكلم ماحدش هيعرف يخرسنا تاني.
- يا ريته كان يجي بالكلام .
أنهى جملته بتهيده قبل أن يسأل تنزلوا هنا ولا عند مدخل الموقف؟؟
- هنا تمام ، متشكرين يا حاج .. ادعي لمصر والنبي.
لم يرد وانشغل بفصال شربيني في جنيه زياده ف الأجرة ، يا بيه الدنيا غِلّيت مش عايز التاكساجية يغلّوا الأجرة.
بمجرد نزولي سألت أحد ماسحي السيارات .. عجوز في الستين وما حولها رسم الزمن في وجهه ما رسم .. نركب دمنهور منين ؟؟
قبل أن يرد مرت سيارة رفع يده مُعظماً : نهارك ابيض يا باشا ، التفتُ لأجد أمين شرطة داخل سيارة أجرة .
- دمنهور من هنا ، و أشار .
- باشا مين وبتاع مين يا حاج ، ده حتة أمين شرطة .. انتوا اللي نفختوهم وعملتولهم قيمة يتنططوا بيها ع الخلق .
- وهي باشا بالتركي يعني ايه يا استاذ .. ابتسامة خبيثة تكشف عن بقايا أسنان صفراء مهترئة .. يعني جزمة .. يعني أنا بقوله نهارك أبيض يا جزمة .. والبعيد جلنف ولا فاهم حاجة ...

انفجرنا في الضحك أنا وشربيني قبل أن تحتوينا أحد سيارات البيجو المتجة لدمنهور تلبية لدعوة صديق لنا ، لا أدري أين ذهب سكان دمنهور فالمدينة تقريباً ... تبدو مهجورة ، تُرى هل تحققت نبؤة السائق و كان سكان دمنهور هم أول المهاجرين من البلد ، أم أنه ذاك الخواء الذي عمّ النفوس فبقيت الأجساد بلا معنى حتى تبخرت .



* أحداث القصة مبنية على أحداث واقعية فحت.


تمت


إسلام المصري
  
29 /7/ 2010