Showing posts with label قصة قصيرة. Show all posts
Showing posts with label قصة قصيرة. Show all posts

Friday, June 10, 2011

خـريـف

أشرت له على الكرسي الخالي بجانبي .. تمتم بشفتيه بصوت غير واضح وحوّل وجهه ناحية العربة الآخرى ، مستنداً بكلتا يديه على ظهر المقعد ، اللتين تدلى من بينهما الكيس الأسود.
لم يبق في رأسه سوى بعض الشعيرات الرمادية التي تزين بشرته السمراء ، متوسط القامة ، لا يلبث أن يفرد قامته كلما تذكر أن ظهره تراخى .. وانحنى.
اهتزّت الترام بعنف قبل أن تتوقف ، تحرك الكومساري العجوز إلى آخر العربة .. سارع صاحب الكيس إلى مقعد الكومساري الصغير وتنهد بعمق قبل أن يبتسم لأول مرة ، كان الجالس أمامي قد تمكن أخيراً من تدوين تفاصيل سفره لابنته في السعودية ، بيدٍ مرتعشة أعاد النوتة الزرقاء إلى جيب القميص عابراً فتحة البلوفر العلوية.
تعالت أصواتهما المُتعَبَة في احتداد ، أصر الكومساري على حقه في الجلوس فيما صاح الآخر لاعناً الحكومة وخدماتها ، تبينت ذِكر الكرسي الشاغر بجانبي وسط حديثهما ، كان الآخر قد يأس من الحديث فانتزع كيسه وقام .. نَظر في أعيننا بحرقة حينما تمزق الكيس وسقطت منه عبوه مكتوب عليها بخط كبير " حفاظات للكبار " ، لـفّها في بقايا الكيس بسرعة ونزل من الترام وهو يحرك شفتيه دون أن يصدر صوتاً.
انطلقت الترام العتيقة من جديد تشق بطن المدينة الحُبلى بالمرايا والملح ، تجاوز تفكيري ما حدث وعدت لمتابعة اسماء المحلات والشوارع والبنات ، تَركت مقعدي المُختلف اللون متأهباً للنزول الأخير ، رميت عبارة "مقعد مخصص للمعاقين وكبار السن " الباهتة فوقي بنظرة سريعة .. قبل أن استسلم من جديد لأمواج الخريف البارد. 
------------

إسلام المصري
الإسكندرية
10/6/2011

Friday, October 1, 2010

شيكولاته

شيكولاته *
---------
أغلى ما في دكان عم سعيد بائع الارواح لا يتعدى ثمنه الخمسة قروش ، لذا كانت مفاجأة أطفال القرية عظيمة عندما أعلن أنه أتى بقالب شيكولاته مبرشم من مصر.

إعتادوا أن ينادونه أحمد فطوم نسبة لأمه .. لم يره أحد يصلى مع والده في المسجد الصغير .. ولمّا علموا أن ذلك يضايقه ، إلتفوا حوله ينابذونه بما يكره .. أراد المقاومة لكنه شأن الجميع قليل الحيلة .. ولمّا سقط أرضاً صرخ فيهم بوجه لطخه التراب والذل والدموع ، أبويا مات وكان اسمه صابر.

قرأ عليهم الشيخ رضوان " أنْ جاءُه الأعمى " و لمّا غابت ضحكته الخافتة .. سأل .. وتعجب حين قالوا أنه يعمل لدى المقدِّس مُحب العلاف لمده اسبوعين نظير ثمن قالب الشيكولاته.

تسرب الخبر .. و بدأ الأطفال يراقبونه  وهو يعمل ، يومان و أصبح حديث القرية كلها .. زاد الترقب .. مرَّ به رضا زميل الكتّاب و حيَّاه ، سلامو عليكم يا أحمد يا صابر.


تجمّع الأطفال شرق الساقية القديمة.. توسطهم أحمد صابر في جلباب نظيف وقدم حافيه .. ارتعشت يداه قبل أن يتلوّن بابتسامة قلقة .. تابعتهم عيناه يشاركهم مضغ ما اعطاه لهم .. لسعت الشمس خده فأمال وجهه ناحية الظل .. رفع أول المنصرفين يده في ثبات ، متشكرّين يا أحمد يابو الواجب .. قبل أن يجاوبه طفل صغير ، أحمد فطوم طول عمره راجل .

تمت

*لأن أجمل ما يبقى هو الألم
-----
إسلام المصري
الإسكندرية
سبتمبر 2010  

Sunday, May 30, 2010

تريانون

إنها تلك اللمحة الضبابية الساحرة .. هي ما تجذبني إلى هذا المكان.
على كرسي مواجه للنافذة الكبيرة بت أراقب الميدان العامر دائماً بالناس والعربات في آن واحد، محال أن تجده خالياً ، حتى في أيام الشتاء يتكاثف فيه الناس كما تتكاثف حبات المطر على الزجاج ( الفيميه ) الأسود ذو الطابع الإنجليزي والذي يغطي كل نوافذ تريانون.
بمجرد دخولي ، أجد نفسي مجبراً على التفكير ، في أي شئ وفي كل شئ ، ربما هي تعويذه سحرية رماها المالك اليوناني للمكان قبل أن يرحل ، غريب أمرهم الأغريق يصرون دائماً على استنفار ذلك الكائن الخامد بجمجمتك وكأنهم يتلذذون بتعذيبك ، فكر كما تحب، لا مدينة فاضلة بعد يوتوبيا أفلاطون.
ومن يشغله مصير العالم بعد انتحار الفلاسفة وتعري الفلسفة ، مشاريعي أكبر من ذلك بكثير ، هناك فتاة تنظر إلي من طاولة غير بعيدة ،لم يخطئ فرويد حينما قال أن الجنس أصل كل شئ.
إحداهن تقترب من النافذة في عجل لتعيد خصلات شعرها المتناثر إلى مكانها ،حمالّة صدرها من النوع الرخيص تكاد تنطق بذلك دعاماته النافرة من تحت ثيابها ،لا تعلم أني أراها من الجانب الأخر لذلك لا تتكلف تصنع الإبتسامة ، أحب الناس حين يتصرفون على طبيعتهم ، الإنسان لم يولد غازياً العالم بضحكاته .. الإنسان يولد باكياْ .
تلوّن الجو برائحة الشيكولاتة الساخنة التي أحضرتها النادلة ذات (الميني جيب ) منذ قليل ، تتغير الموسيقى لتأتي موسيقى فيلم (العرَّاب) حاملة معها ذكريات أقنع نفسي دائماً بأني نسيتها ، أتفنن في وضع السكر ، أتذكر إشارتها الناعمة لي بأنه مُحلى بعض الشئ فلا داعي لكل هذا الكم كي لا " تجزع نفسي" .
من قتل ناجي العلي ، ولماذا قتلوه قبل أن يكشف لي عن وجه حنظلة ، هل خافوا إذا ظهر وجهه أن يكون له لسان ويسأل عن حقوقه ، كان يجب ألا يخافوا ، لو استدار لوجدوا معالمه مطموسة بذل الخيبة ، تُرى ماذا قصد ب (لاجئون لكننا عائدون)  ، وكأنه لازال هناك ما يمكننا أن نرجع إليه ، أرتشف ما أمامي قبل أن يبرد ، قضية عمرها ستون عاماً يمكنها أن تنتظر لحظات ، أحدهم ينادي النادل طالباً الحساب ، لو أنه للسماء ندّال لمُسخنا – منذ زمن – قردة وخنازير.
أتأمل من جديد قائمة المشروبات الهرمية الشكل أمامي ، أحمد الله على أني لا أحب القهوة ، كنت لأحتار أي تلك الأسماء يناسبني اليوم ، تفتح سيدة بملامح أوروبية الباب الزجاجي لتجلس أمامي مباشرة ، تشعل سيجارتها وتطلب كأساً من الويسكي ، مثلي هي تراقب المارة في تلذذ ، لابد أن لها قصتها الخاصة .. كلٌ منا له قصته الخاصة ، لاحَظت أني أراقبها فباغتتني بنظره انصرفتُ على أثرها لمراقبة الثريا المدلاة من السقف المزخرف ، أتذكر حلماً قديماً باقتناء بطريق في منزلي المرتقب ، أخفي ضحكتي كما تعودت إخفاء كل شئ ، لو أمكننا إطالة طفولتنا لما عرفنا أبداً معنى الألم.
الطريق بدا مكتظاً عن السابق ، أعبره بعيني لأتأمل جدارية تحوي آلات موسيقية وسيدة ترتدي قرط كبير ، ووجه سيد درويش الحزين يناجيني كالعادة ، زوروني كل سنة مرة ، لو يعلم أني أزوره لأبحث عن نفسي الضائعة في نظراتي البالية إليه ، حنطور يقطع الصورة التي سرعان ما تتشكل مرة أخرى ، ألم يكن سيد درويش نصيراً للمحرومين ، لماذا يبدو وجهه إذاُ ممتلأً أكثر من اللازم .

إسلام المصري
الإسكندرية
30/5/2010

Friday, February 19, 2010

وش الفنجان

- فين الوش؟!!
- أنا آسف يافندم ، لو حضرتك ممكن تشربيها كدة أو لو تحبي أعملك وحدة غيرها حالاً.
- لأ طبعا أعمل غيرها ، أنا استحالة اشربها كدة.
انصرف النادل وهو يلعن رنين  هاتفه الذي كان سبباً لتحمل مثل تفاهات هذه السيدة حادة الطباع ، يجرى ايه لو شربتها كدة يعني !
ثوانٍ وعاد بعدها يحمل الفنجان الجديد.
- زي ما حضرتك طلبتيها والوش شاهد أههُ.
لم ترد ،واكتفت بهز رأسها المليئ بالعديد من الذكريات والأفكار والمشاعر المضطربة.
عشرين سنة بشربها كل يوم وف نفس الميعاد بنفس الطريقة وما يمنعنيش عن ده غير الشديد القوي ، وبكل بساطة يطلب مني شاب تافه لا يعرف عن الدنيا شئ أن أتغير ، كان غيره أشطر.
تذكرت محاولات مستميتة من العائلة لإثنائها عن تكرار رفض الزواج.
ومحاولات أكثر استماته من رجال محاولين التقرب من تلك الأنيقة المثقفة الثرية.
وكيف انها رغم كل ذلك لم تستطع ابداً الخروج من تلك الذكرى .
همَّت بإمساك بالفنجان لولا صوت أتى من خلفها  جعلها تتسمر في مكانها
 مساء الخير يا ليلي ، بصراحة مكنتش اتوقع انك لسه محافظة على قهوة الساعة 4 .
لم يكن من الممكن أن تخطئ ذلك الصوت ، صحيح أن النبرة تغيرت واذدادت نضوجاً إلا انها تعودت ان تسمع ذلك الصوت بقلبها لا بأذنيها وهذا ما لا يمكن ان يتغير ابدا.
عرفته في أول سنوات الجامعة ، التقيا لأنهما كان لابد أن يلتقيا وكل من رأهُم أقسم أن مثل تلك العلاقة لا يمكن ان تكون إلا في خيال مؤلفي الرومانسية.
أحبته وكأنه هي ، وهو لم يبخل عليها بمشاعره.
اقتربا في غرف الدرس ، وتوحدت أحلامهما في مكالمات بعد منتصف الليل ، وكانت قهوة الرابعة طقس ملحمي لتمجيد ذلك الإحساس النوراني في داخل كل منهما.
كان في عينيها البداية والنهاية حتى عندما بدأ الملل يتسرب إلى نفسه ، ارتضت منه القليل، فلمسة يده تكفيها شهراً تنسج منها أحلاماً وذكريات.
تلاشى ببطئ ، ولم ترد التصديق ، أخبرها أن المشكلة فيه لا فيها ، هو يكره قيد العلاقات ويريد الانطلاق ، عرف السبب لكنه فشل في التشخيص.
عرف بعدها واحدة واثنين و في كل مرة تكون نفس النهاية ، داخله يحب الإستقرار ولكنه متمرد ، تمرد على نفسه ، أراد روح زروبا لا روحه فهلكت منه دون أن يدري .
وهي ، توقف بها الزمن عند أخر لحظة بينهما ، انتظرته أن يعود ولكنه ظل تائها من نفسه كثيراً ، فكيف له أن يهتدي إليها.
تزوج ، وسافر ، وعاد ، وانفصل وفي كل خطوة يخطوها يبحث عن شئ لا يعرفه.
وهي تزداد تعلقاً باللحظة ، تتشبث بها ، تخاف أن تخرج منها فلا تجدها مرة أخرى.
سنوات ذكراها أوحت لها " إن لم يكن الآن .. فمتى ؟ّّ " وصورته تنعكس على سطح الفنجان ، مُذكّرة إياها بكل ما حدث .
- لم تجرؤ على النظر خلفها ، امتدت أصابعها ببطء نحو الملعقة في طرف الطبق ، لم ترتجف يدها ، وكأن مرارة السنين أكسبتها فجأة صلابة لم تكن تدري انها بداخلها ، لم تفكر كي لا تتردد ، وبتنهيدة حملت عشرين عاماً من الإنتظار ، حركت الملعقة في الفنجان ليغيب الوش داخل السديم لأول مرة.

تمت
*********

إسلام المصري
13/2/2010